الزركشي
283
البحر المحيط في أصول الفقه
لأبي حنيفة أن ينازعه قال وإذا التفت إلى هذا ارتفع الخلاف . وقال الإمام فخر الدين نظر أبي حنيفة في هذه المسألة دقيق لأن النية لو صحت لصحت إما في الملفوظ أو غيره والأول باطل لأن الملفوظ هو الأكل وهو ماهية واحدة لا تقبل التعدد فلا تقبل التخصيص فإن أخذت مع قيود زائدة عليها تعددت وحينئذ تصير محتملة للتخصيص لكن تلك الزوائد غير ملفوظ بها فالمجموع الحاصل من الماهية غير ملفوظ فيكون القابل لنية التخصيص شيئا غير ملفوظ وهذا هو القسم الثاني وهو إن جاز عقلا لكنه باطل شرعا لأن إضافة ماهية الأكل إلى الخبز تارة وإلى غيره أخرى إضافات تعرض لها بحسب اختلاف المفعول فيه وإضافتها إلى هذا اليوم وذاك وهذا الموضع وذاك إضافات عارضة لها بحسب اختلاف المفعول فيه ثم أجمعنا على أنه لو نوى التخصيص بالزمان والمكان لم يصح فكذا التخصيص بالمفعول به والجامع رعاية الاحتياط في تعظيم التمييز هذا كلامه . والنظر الدقيق إنما هو لأصحابنا وما ذكره الإمام مدخول وقوله الأكل ماهية واحدة لا تقبل التعدد مسلم ولكن مع قرينة دخول حرف النفي لا نسلم أنه لا دلالة له على التعدد سلمنا أن الملفوظ لا يقبل التخصيص فغير الملفوظ يقبله . وأجيب عما ذكره من القياس بوجهين : أحدهما بالمنع فإنه يجوز تخصيص النية بالمكان والزمان كما يجوز بالمأكول المعين بلا خلاف وقد نص الشافعي على أنه إذا قال إن كلمت زيدا فأنت طالق ثم قال أردت شهرا أنه يصح ويقبل منه بلا فرق . وثانيها أن قياس المفعول به على المفعول فيه ظاهر التعسف لأن المفعول به من مقومات الفعل في الوجود لأن أكلا بلا مأكول محال وكذا في الذهن فهم ماهية الأكل دون المأكول مستحيل فإلزام الأكل للمأكول واضح . وأما الزمان والمكان فليسا من لوازم ماهية الفعل ولا من مقوماته بل هما من لوازم الفاعل ولا شك أن دلالة الفعل على المفعول به أقوى من دلالته على المفعول فيه . وقال محمد بن يحيى في تعليقه الخلاف المفهوم من اللفظ منحصر في ثلاثة أقسام ما وضع له اللفظ كاسم البيت للبيت وما دل عليه اللفظ وما تضمنه كدلالة اسم البيت على السقف والحائط وما لزمه لضرورة الوجود ككونه ذا ظل واقع عند طلوع الشمس .